يسلسلس78ه8عe00001

المملكة العربية السعودية وفرص قوية لريادة المنطقة في تعزيز دور المرأة وتمكينها في عالم المال والأعمال

في الوقت الذي تساهم فيه طموحات رؤية 2030 الساعية إلى رفع نسبة مشاركة المرأة السعودية في دفع التنمية وخطط التنويع الاقتصادي في المملكة العربية السعودية بشكل كبير، فإن لدى المملكة فرصة فريدة من نوعها، تمثل خطوة كبيرة في طريق تنفيذ استراتيجيتها، والقفز بالمملكة إلى صدارة المنطقة ودول العالم والعالم كواحدة من الدول الرائدة في تمكين المرأة في قطاع الأعمال.
وتهدف رؤية 2030 إلى زيادة نسبة مشاركة المرأة السعودية في إجمالي القوى العاملة في المملكة من 22% إلى 30% عبر كافة القطاعات بحلول عام 2030. وفي حين تقل هذه النسبة عن المتوسط العالمي الذي أعلن عنه البنك الدولي والبالغ 49%، لا يمكننا إغفال التقدم الكبير الذي يتم إحرازه مع إشراقة شمس كل يوم جديد.
وقد أعلنت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية مؤخراً عن تقارير تشير إلى وجود 600 ألف امرأة سعودية تعمل في القطاع الخاص، في حين انضمت 30 ألف امرأة للعمل في القطاع بين شهري سبتمبر وأكتوبر فقط. وتفتح الحكومة كل يوم أبوابا جديدة تعزز من فرص المرأة في العمل في القطاع الخاص. فلأول مرة، يمكن للمرأة الآن أن تشغل مناصب في المعابر الحدودية، ومناصب قضائية، وأن تنضم إلى الجيش، وأن تبدأ أعمالها الخاصة، دون موافقة ولي الأمر، أو أحد الأقرباء من الذكور.
لا شك أنها تحركات جريئة للغاية، ولكن يبقى السؤال: هل تعد هذه الإجراءات أمرا كافياً؟ خاصة بالنسبة لحكومة تمتلك خططا ذات سقف طموحات عالِ فيما يتعلق بالتنمية الاقتصادية ونذكر هنا نيوم كمثال رئيسي؟ وبرأيي ينبغي أن يتمثل الهدف الأساسي في تمكين المرأة من شغل المناصب الإدارية العُليا، وتنويع المجالات التي تعمل بها، وتوسيع نطاق شغلها للوظائف، ليتخطى حدود الموجود على أرض الواقع حالياً من قاعدة من النساء العاملات اللاتي تتحلين بمهارات وخبرات عريضة في مجالات مثل التسويق، والاتصالات، والموارد البشرية. لذا ينبغي أن يتمثل الطموح في تمكين المرأة لتشغل مناصب تنفيذية عُلياً في قطاع الأعمال في المستقبل.
وهناك واقعان يجب علينا معالجتهما بينما نبني قاعدة القوى العاملة السعودية للتحضير لاقتصاد المستقبل. ويمكن لإعداد وتمكين المرأة ليس فقط لدخول قطاع الأعمال، بل وأيضاً للوصول إلى أعلى المستويات في المناصب الإدارية، المساهمة في معالجة كل منهما.
ومما لا شك فيه أن المرأة قادرة، بل هي تشارك بالفعل في عملية صنع القرار على مستوى المناصب الإدارية في القطاع الخاص بالمملكة العربية السعودية. لننظر مثلا إلى لبنى العليان التي تشغل منصب الرئيس التنفيذي في مجموعة العليان للتمويل، والتي أتت على رأس قائمة فوربس الشرق الأوسط لأبرز سيدات الأعمال العرب لعام 2017. كذلك أخذت المملكة العربية السعودية زمام المبادرة في تعيين المرأة في مناصب رفيعة المستوى بالقطاع المصرفي، حيث قامت بتعين كبار المديرات التنفيذيات على رأس مؤسسات مرموقة مثل مجموعة سامبا المالية التي شهدت ترأس أول امرأة لمصرفٍ تجاريٍ في المملكة، بالإضافة إلى سارة السحيمي رئيسة مؤسسة البنك العربي الوطني، ومؤسسة الأهلي كابيتال، والتي تم تعيينها بمنصب رئيس مجلس إدارة “تداول” سوق الأسهم الوطنية في السعودية.
على أرض الواقع، هناك الكثير من الأبحاث التي تشير إلى أن المؤسسات والأعمال التي تقودها المرأة، تحرز تقدما ذا قيمة أكبر للمساهمين من تلك التي يقودها الرجل. ولكن لا يزال هناك خلل اجتماعي طال وجوده، ويعيق بشكل كبير، بل ويحدّ من التأثير الذي يمكن أن تحدثه المهارات القيادية المحتملة على مسيرة التنمية الاقتصادية. وتأتي حقيقة أن نسبة الشركات التي تترأسها النساء على قائمة فورتشن 500 جاءت بنسبة 6٪ فقط، وهو خير دليل على هذا الخلل.
ثانياً، وبحسب دراسة ستصدر قريباً عن شركة “كورن فيري” حول مستقبل قطاع الأعمال، فإن هناك فجوة كبيرة في المهارات والخبرات تلوح في الأفق، ويسلط الدراسة الضوء على الاحتياجات من العمالة الماهرة والنقص الذي يشهده سوق العمل في جميع أنحاء العالم حتى عام 2030. وفي الوقاع فإن المملكة العربية السعودية لا تمتلك ما يكفي من الأيدي العاملة ذات المهارات المناسبة لمواصلة تحقيق طموحاتها للتنمية الاقتصادية. لذلك غإن البدء في تطوير صناعات جديدة مثل الصناعات الدفاعية، وانتشار تطبيقات التكنولوجيا المتقدمة، بالإضافة إلى برنامج التحول الرقمي، الذي يهدف إلى جعل المملكة مركزاً للتكنولوجيا المتقدمة في العالم العربي الحديث، توشك جميعها أن تحدث تغييرات جذرية في متطلبات اليوم من المهارات والخبرات اللازمة، وفي منظومة إعداد الجيل القادم من قادة المستقبل.
وسيتطلب التصدي لهذه الفجوة في المواهب إحداث تغييرات مستمرة في الاستراتيجيات، وأسس نظام التعليم الوطني الجاري تنفيذها حالياً، مع زيادة التركيز على اختصاصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. وأشارت دراسة حول التوجهات في الدراسة العالمية للرّياضيات والعلوم (TIMSS)، وهي قائمة تصنيف عالمية يتم نشرها كل أربع سنوات، إلى حلول الطلاب السعوديين ضمن المراكز العشرة الأخيرة في مجالات الرياضيات والعلوم.
ويمثل هذا الأمر تحدياً حقيقياً أمام مساعي التنويع الاقتصادي المستدام في دولة سيشكل الشباب دون عمر 25 عاماً نصف عدد سكانها بحلول عام 2030. وفي حين تحظى جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية باعتراف عالمي بريادتها على مستوى تدريس العلوم والهندسة، تشير التقارير الجديدة إلى أن المملكة تبدي مرونة أكبر فيما يتعلق بفكرة إنشاء فروع للجامعات الأجنبية داخل البلاد. حيث يمكن أن تساهم زيادة التركيز في تطوير منظومة تدريس العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مع هذه المدخلات الجديدة على أسواق العمل، بالإضافة إلى تشجيع المرأة على دراسة تلك المساقات، والمساهمة في وضع مسار لجيل جديد من النساء في أعلى المناصب التنفيذية.
وأشارت شركة «كورن فيري» إلى وجود علاقة مباشرة بين تعلم اختصاصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ونجاح المرأة في قطاع الأعمال، وبين وصول المرأة إلى أعلى المناصب الإدارية، والتنفيذية العليا. وفي تقرير بحثي جديد عن النساء اللواتي نجحن في تقلّد مناصب تنفيذية، “المرأة تتحدث من منصب مدير تنفيذي: استراتيجيات الجيل القادم من المديرات التنفيذيات وكيف يمكن للشركات تمهيد الطريق”، وجدت «كورن فيري» أن أكثر من 40٪ بدأوا بدرجات جامعية في مجالات العلوم، والهندسة، أو الرياضيات – ضعف عدد من لديهم مؤهلات علمية في مجالات الفنون، والعلوم الإنسانية أو الأعمال التجارية، والمالية. دخول عالم الأعمال بخلفية وخبرات في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، يخلق مسار أفضل لمسيرة المرأة نحو منصب المدير التنفيذي. حيث يتطلب الطريق للقمة خبرات عريضة في إدارة الأعمال، إلى جانب خبرات ومهارات عملية، وفنية، وتقنية.
لدينا فرصة لاستغلال اليوم العالمي للمرأة لإيصال رسالة قوية إلى جيل العاملين من الشباب أن المناصب الإدارية والتنفيذية العليا في المملكة العربية السعودية مفتوحة للجميع. وليكن النجاح حليف الأفضل منهم. كما يجب إيلاء اهتمام كبير لإيصال هذه الرسالة. وهناك نتيجة أخرى مثيرة للاهتمام من بحث “المرأة تتحدث من منصب مدير تنفيذي” وهي أن غالبية من يشغلن منصب مدير تنفيذي من الإناث لم يفكرن في أن يشغلن هذا المنصب، قبل أن يجدن الدعم الكبير ويعززن الثقة في قدراتهن من قبل شخص ما. فقط 5 منهن وضعن الوصول إلى هذا المنصب هدفاً شخصياً نصب أعينهن.
وهنا ينبغي الإشادة بما تقوم به الحكومة من أجل تشجيع وإلهام الأجيال الشابة من النساء من المهنيين لإبراز قدراتهم منذ البداية. ويتعين على القطاع الخاص أن يواصل جهوده لفتح المزيد من الأبواب أمام المرأة لكي تضطلع بأدوار قيادية وأن يوفر لها العون والإرشاد في كل محطة على طول الطريق، لتمكينها من الوصول إلى أهدافها وتحقيق الاستفادة من كامل إمكاناتها. ومن ثم يمكننا تحقيق طموحات رؤية 2030 والمساهمة في ضمان الوصول إلى اقتصاد قوي ومتنوع يدعم ويحقق رخاء شعبنا لأجيال قادمة.



لا توجد تعليقات

اضف تعليقك